ابن خلدون
في مجال العلوم الإنسانية والفكرية كان للمسلمين دور بارز ورائد؛
حيث ابتكروا علوما راقية تهم الجانب الاجتماعي الإنساني، وكذلك ابتكروا علوما مهمة خاصة بالشريعة الإسلامية، وأخرى خاصة باللغة العربية.
تعريف علم الإجتماع يعرف معجم مصطلحات العلوم الإجتماعية علم الإجتماع بانة: "دراسة وصفية تفسيرية مقارنة للمجتمعات الإنسانية، كما تبدو في الزمان والمكان؛ للتوصل إلى قوانين التطور، التي تخضع لها هذه المجتمعات الإنسانية في تقدمها وتغيرها" [1] . موضوع علم الإجتماع يحدد علماء الإجتماع موضوعه بالظواهر الإجتماعية، التي تظهر نتيجة لتجمع الناس معا، وتفاعل بعضهم مع بعض، ودخولهم في علاقات متبادلة، وتكوين ما يطلق عليه الثقافة المشتركة؛ حيث يتفق الناس على أساليب معينة في التعبير عن أفكارهم، كما أنهم يتفقون على قيم محددة، وأساليب معينة في الاقتصاد، والحكم، والأخلاق، وغيرها وتبدأ الظواهر الاجتماعية بالتفاعل بين شخصين أو أكثر، والدخول في علاقات اجتماعية، وحينما تدوم هذه العلاقات وتستمر، تشكل جماعات اجتماعية، وتعد الجماعات الاجتماعية من المواضيع الأساسية التي يدرسها علم الاجتماع وهناك موضوع آخر يدرسه علم الاجتماع، يتمثل في العمليات الاجتماعية؛ كالصراع، والتعاون، والتنافس، والتوافق، والترتيب الطبقي، والحراك الإجتماعي كما ميسور hammoudi التغير فى الثقافة وفى البناء الإجتماعي، أحد ميادين الدراسة في علم الاجتماع، كما أن هناك النظم الاجتماعية، وهي الأساليب المقننة والمقررة للسلوك الاجتماعي، وكذلك الشخصية، وهي العامل الذي يشكل الثقافة، ويتشكل من خلالها [2] . ابن خلدون مؤسس علم الإجتماع علي الرغم من ميسور التفكير الإجتماعي قديم قدم الانسان نفسه، إلا أن الاجتماع الإنساني لم يصبح موضوعا لعلم إلا في فترة لاحقة، وكان أول من نبه إلى وجود هذا العلم، واستقلال موضوعه عن غيره، ووضع أسسه، وابتكره، هو العلامة المسلم ابن خلدون ! فقد صرح في عبارات واضحة أنه اكتشف علما مستقلا، لم يتكلم فيه السابقون؛ إذ يقول: "وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل؛ وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته، واحدة بعد أخرى ، وهذا شأن كل علم من العلوم، وضعيا كان أو عقليا " [3] ويقول أيضا: "! واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص ... وكأنه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة، ما أدري:؟ ألغفلتهم عن ذلك، وليس الظن بهم أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض، واستوفوه، ولم يصل إلينا " [4] . كما أنه لم يكتف بذلك، بل دعا القادرين إلى استكمال ما نقص منه، فقال: "ولعل من يأتي بعدنا - ممن يؤيده الله بفكر صحيح، وعلم مبين - يغوص في مسائله على أكثر مما كتبنا، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم، وتنويع فصوله، وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل " [5] . وإضافة إلى ذلك فإن مقدمته شملت على أقل تقدير سبعة من فروع علم الاجتماع المعاصر، ناقشها ابن خلدون في وضوح تام [6] . ولكن على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من قول عالم الاجتماع النمساوي الشهير جمبلوفتش: "لقد أردنا أن ندلل على أنه قبل أوجست كونت [7] ، بل قبل فيكو الذي أراد الإيطاليون أن يجعلوا منه أول اجتماعي أوربي، جاء مسلم تقي، فدرس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن، وأتى في هذا الموضوع بآراء عميقة، وإن ما كتبه هو ما نسميه اليوم علم الاجتماع " [8] . على الرغم من ذلك كله، فإن التأريخ لعلم الاجتماع يقف عند الفرنسي كونت باعتباره المنشئ الأول لهذا العلم، ويتجاهل بذلك المؤسس الحقيقي لهذا العلم ، الذي نبه عن وعي وفي وضوح إلى اكتشافه لهذا العلم [9] . وقد شهد المنصفون بأن أوجست كونت استمد كثيرا من آرائه ونظرياته من مقدمة ابن خلدون [10] ! فابن خلدون يمثل نقطة تحول في كتابة التاريخ الإنساني، وفي تأسيسه لعلم الاجتماع، قد هز الفكر الإنساني العالمي بذلك؛ إذ وضع خطة جديدة وآراء جديدة، بل وضع قوانين جديدة يمكن تطبيقها، وتنسحب على كل المجتمعات البشرية، انطلاقا من أن الإنسان لا يعيش إلا في مجتمع، وإذا عاش في مجتمع؛ فلا بد أن يعيش مع شعب، وإذا عاش مع شعب لا بد أن يعيش على أرض، ولكي تظل العلاقة قائمة بين هؤلاء الناس، أو القبائل، أو الشعب، أو هذه المجموعة البشرية؛ لا بد من أن ينظمها حاكم؛ وأنواع الحاكم تدرجت من حاكم بسيط (شيخ قبيلة) إلى حاكم مطلق، استطاع أن يستخدم كل الوسائل التي هيأها له هذا التجمع البشري، أو هذا العمران، واستطاع أن يستغل هذا ويصبح هو الحاكم المطلق، وإذا أصبح حاكما مطلقا استطاع أن يؤسس دولة، فإذا أسس الدولة التي طبق عليها ابن خلدون نظريته؛ مرت الدولة بمراحل مختلفة، هذه المراحل وجدت صحة في التطبيق في واقع الحياة [11] . ابن خلدون حياته ونشأته ويهمنا هنا نلقي بعض الضوء علي ابن خلدون ميسور، منشئ هذا العلم؛ فهو أبو زيد عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي، مولده بتونس في غرة رمضان (732 ه) ، ورحل إلى فاس، وغرناطة، وتلمسان، والأندلس، كما توجه إلى مصر، حيث أكرمه سلطانها الظاهر برقوق، وولي فيها قضاء المالكية، وظل بها ما يناهز ربع قرن (784-808 ه)، حيث توفي ودفن في مقابرها عن عمر بلغ ستة وسبعين عاما [12] . وقد نشأ ابن خلدون في بيت علم ومجد عريق، وحفظ القرآن في وقت مبكر من طفولته، وكان أبوه هو معلمه الأول، كما درس على يد مشاهير علماء عصره، وقد اتجه إلى الوظائف العامة بعد موت عامة أساتذته في الطاعون الذي أصاب بلادهم، والتحق بوظيفة كتابية في بلاط بني مرين، ولكنها لم تكن لترضي طموحه، وعينه السلطان (أبو عنان) - ملك المغرب الأقصى - عضوا في مجلسه العلمي بفاس، فأتيح له أن يعاود الدرس على أعلامها من العلماء والأدباء، الذين نزحوا إليها من (تونس)، و (الأندلس )، و (بلاد المغرب) ورحل بن خلدون إلى غرناطة تاركا أسرته بفاس، ثم عاد إلى وهران بالجزائر؛ ليستقر في قلعة ابن سلامة هو وأهله أربع سنوات، ومن هنا بدأت مسيرته مع كتابه (العبر في ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)؛ لتكون مقدمة هذا الكتاب أول وأشهر مقدمة صنفت في علم الاجتماع، وشئون الاجتماع الإنساني وقوانينه، وقد عالج فيها ما يطلق عليه الآن (المظاهر الاجتماعية) - أو ما أطلق عليه هو (واقعات العمران البشري)، أو (أحوال الاجتماع الإنساني) [13] . مقدمه ابن خلدون بسط ابن خلدون فى المقدمة ووكل ما لدية من علم ومعرفة، فجاءت شيئا ثمينا، بل متقدمة جدا على العصر الذي كتبت فيه، وهي تحتوي على ستة فصول كما يلي: الأول : في العمران البشري: وهي تقابل (علم الاجتماع العام)، وقد درس ابن خلدون ظواهر المجتمع البشري، والقواعد التي تسير عليها المجتمعات. والثاني : في العمران البدوي، وقد درس الاجتماع البدوي، كاشفا أهم خصائصه المميزة، وأنه أصل الاجتماع الحضري وسابق عليه. والثالث : في الدولة والخلافة والملك : وهو يقابل (علم الاجتماع السياسي)، وقد درس قواعد الحكم، والنظم الدينية، وغيرها والرابع : في العمران الحضري: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الحضري)، وقد شرح جميع الظواهر المتصلة بالحضر، وأصول المدنية، وأن التحضر هو غاية التمدن والخامس : في الصنائع والمعاش والكسب: وهو ما يقابل (علم الاجتماع الاقتصادي)، وقد درس تأثير الظروف الاقتصادية على أحوال المجتمع. والسادس : في العلوم واكتسابها: وهو ما يقابل (علم الاجتماع التربوي)، وقد درس الظواهر التربوية، وطرق التعلم وتصنيف العلوم كما درس ابن خلدون الاجتماع الديني والقانوني، رابطا بين السياسة والأخلاق [14] . والحقيقة الظاهرة أن أحدا قبل ابن خلدون لم يعرض لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة تحليلية أدت إلى نتائج ومقررات مثل تلك التي أدت إليها دراسة ابن خلدون، ذلك أن المفكر المسلم الفقيه درس الظواهر الاجتماعية من خلال الإخبار التاريخي السليم، مثلما يدرس العلماء علوم الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات ، والفلك، وهو بذلك يكون أول من أخضع الظواهر الاجتماعية لمنهج دراسي علمي، انتهى به إلى كثير من الحقائق الثابتة التي تشبه القوانين، وعليه فإن ما توصل إليه ابن خلدون من نظريات يظل عملا رائدا في ميدان الدراسات الاجتماعية في مسيرة الفكر الإنساني [15] د . راغب السرجاني
